لو مت يا أمي ما تبكيش .. راح أموت علشان بلدي تعيش

السبت، 14 مارس، 2009

حكايتي مع ش - الحلقة الثالثة


3 – مشروع خاص وبداية استقرار..
_______________________________

مجرد فكرة مجنونة سيطرت على رأسي قبل نهاية عامي الجامعي الأخير وشغلت حيزاً كبير في رأسي من التفكير فيها بسبب موقف بسيط حدث معي وحينها وجدتني أفكر جدياً في عمل وتنفيذ هذه الفكرة لتصبح هي مشروع المستقبل لي.. والعمل الذي سأعتمد على الله وعليه في دعم مستقبلي المادي على الرغم من عدم وجود أي خبرة لي في هذا المجال.. لكنه الطموح الكبير الذي كان قد استحوذ على كل تفكيري حينها وكانت الفكرة هي عمل مشروع مكتبة للأدوات المدرسية والمكتبية وتصوير المستندات..
ولهذا الأمر قصه هي التي كانت وراء تفكيري في إقامة هذا المشروع حيث أنني كنت ومنذ حداثة سني من هواة الرسم جداً.. وذات يوم من أيام بداية عامي الجامعي الأخير خرجت من منزلنا أبحث في الحي الذي نقطنه بالعريش عن محل يوفر لي أدوات رسم جديدة.. ولم أجد تماماً هذا وهذا بسبب أن هذا الحي الذي كنت اقطنه كان عبارة عن مجموعة من العمارات المتشابهة في الطول والحجم والرسم وهو ما يطلق عليه الإسكان الاقتصادي (رغم أن هذه الجملة خدعة كبيرة من وجهة نظري) حيث هو من تلك الأحياء التي تقوم الحكومة بإنشائها في المحافظات المختلفة وتتشابه دوما مع بعضها البعض لكونها تعتمد على رسم موحد أو عدة رسومات موحدة تنفذها شركات المقاولات بالتعاون مع المجالس المحلية وبذلك التخطيط الذي يعتمد على شكل واحد حتى في تخطيط الشوارع فتبدوا كل العمارات متشابهة ولا تعرفها من بعضها البعض إلا فيما ندر أو بأعجوبة أو بالتعود..
كما لا يمكن أن تجد فيها أي تسلسل طبيعي لأرقام العمارات كما لو أنها محاولة جادة من الحكومة لجعل الشعب يتعود على رياضة المشي.. والبحث عن مسكنه عقب كل مشوار..!!
ولآن المعتاد في مصر عندما تقام مثل هذه المشروعات هو أن تكون مثل الطبخة التي ينقصها القليل من الملح وأحيانا لا يوجد بها ملح أصلا..!!
لذلك فقد تم إهمال عدة أمور كثيرة في هذا الحي أهمها إقامة محلات تجارية بهذا الحي على الرغم من وجود عمارات بنفس التصميم في أحياء أخرى ويوجد بها محلات.. لكن على ما يبدوا أن الأمور في بلدنا تسير بنظام كل حي ونصيبه..!!
ولذلك كان الحي كله لا توجد به إلا الأكشاك التي طبقا للقانون المصري العظيم (أي والله عظيم) هي أكشاك سجائر رغم أنها تبيع كل شيء كأدوات البقالة والعلافة واللحوم المجمدة ولعب الأطفال وحتى الأدوات المكتبية وكل صاحب كشك وشطارته.. مع العلم أن القانون لم يكن يجيز ولا يزال بالطبع لا يجيز لأي كشك أن تزيد مساحته وطبقا للقانون عن متر في متر ونصف..!!
أي هو كالمقبرة ولكن في شكل رأسي بدلاً منها أفقية..!!
لكن والشهادة لله كان موظفون المحليات في قمة تعاونهم مع الجميع فيكفي حصولهم على المعلوم بأي صورة من صوره حتى يغضون الطرف عن كل المساحات الزائدة والمخالفة في بعض الأكشاك والتي كانت تصل إلى ستة أمتار في سبعة أمتار لدى البعض من المتمكنين مادياً..
وفي ذلك اليوم الذي خرجت ابحث فيه عن أدوات الرسم ولصغر حجم الحي الذي اقطنه فقد مررت على جميع الأكشاك المتوفرة به لأبحث عن من يبيع لي كراسة رسم جيدة المستوي وألوان ذات نوع فاخر ولم أجد مطلبي تماماً ومن كان لديهم كان لديهم أسوأ الخامات التي لا ترضي طفل في المرحلة الابتدائية فما بالكم بشاب في المرحلة الجامعية..!!
وحينها اضطررت للذهاب لوسط المدينة لأحصل على ما أريد رغم أن الأمر لا يستحق ومن هنا جاءت الفكرة لرأسي عن طريق سؤال سألته لنفسي وهو لما لا أقوم بعد نهاية عامي الدراسي بفتح مشروع مكتبة للأدوات المدرسية.. ومع عرض الفكرة على المقربين لي وجدت الجميع يشجعوني عليها وعلى الخوض في إتمامها وإن تبقت لدي مشكلة واحدة وهامة جداً وهى افتقادي للتمويل اللازم للمشروع.. فأنا لا أملك رأس مال للمشروع.. لذلك وبعد طول تفكير لم يكن هناك مفر من تجربة المدعو (الصندوق الاجتماعي للتنمية) والتي كانت إعلاناته تنتشر بكثرة في تلك الأيام وربما لا تزال.. مبشرة بمساعدة الشباب على إقامة مشروعاتهم الصغيرة..
وبالفعل ذهبت لمقره بمدينة العريش واستفسرت عن طلباتهم وفى البدء بدا لي الأمر سهل ويسير من فرط الكلمات الجميلة التي كنت اسمعها من مسئولي الصندوق الاجتماعي حتى كدت أشك في كل الصحف والكُتاب المعارضين الذين يهاجمون الحكومة فقد بدت لي الحكومة حينها ظريفة ولطيفة وقلبها ابيض وعايزه تساعد الشباب.. لكن مع النصائح التي توالت عليّ فهمت أن الكلام الذي أسمعه شيء والتنفيذ شئ آخر تماماً.. وأن الإجراءات التي يقال أنها لن تأخذ إلا أياما قليلة.. علينا أن نبدل في تلك العبارة السابقة كلمتين فنجعل بدل كلمة "أيام" كلمة شهور وبدل "قليلة" كثيرة..وافهموها أنتم..!!
ولذلك وكنوع من الحرص والاحتياط خطرت في بالى فكرة أشد جنونا ولم استشر الكثيرين فيها وقمت بتنفيذها فورا عندما كنت قد وصلت لمنتصف العام الجامعي الأخير لي وهى الذهاب للصندوق الاجتماعي والإدعاء بأني حاصل على الثانوية الأزهرية فقط ولا أريد استكمال تعليمي العالي وعمل مشروع تجارى عبارة عن مكتبة للأدوات المدرسية ولآن الحي الذي اقطنه لا يوجد به مكتبات ولا يوجد به محلات أصلا كما علمتم فقد قوبلت الفكرة في الصندوق الاجتماعي بالحفاوة التامة وإن تبقي سؤال هام نزل على رأسي منهم كالصاعقة وكأنه أول العراقيل وهو أين سيقام هذا المشروع في ظل عدم وجود محلات بهذا الحي..؟!
وانتبهت فجأة أن حماسي وطموحي غفل عن هذه النقطة لكن ومع تفكير بسيط واستشارات قليلة تم التوصل للحل والذي كان يكمن في فكرة بسيطة ويسيرة وربما منخفضة التكاليف اقترحها أحد أصدقائي الجدد بالعريش في ذلك الوقت وكان اسمه (أسامة) والذي أصبح في فترة وجيزة واحداً من أعز أصدقائي لإخلاصه الشديد لي ووقوفه كثيراً إلى جانبي وكانت فكرته هي إقامة مشروع المكتبة في كشك أيضاً.. ولكن ليس كأي كشك من المنتشرين بالحي ، وإنما كشك زجاجي مثل أكشاك المكتبات التابعة للمؤسسات الصحفية..
ولأن الفكرة كانت جيدة فقد وافق الصندوق الاجتماعي عليها وتصورت حينها مجرد تصور أن كل مشاكل المشروع شارفت على الحل وفقط تبقى الإجراءات..
لكن وما أدراكم ما هي الإجراءات في أروقة المصالح الحكومية المصرية..؟؟
*****
9 شهور كانت هي مقدار الوقت الذي استهلكته في السعي بين المصالح الحكومية المختلفة لإنهاء ورق مشروعي والحصول على كل الموافقات اللازمة له وللحصول على القرض الذي يمول لي إقامة المشروع.. وبعض تلك الموافقات كانت تعتمد على موافقات أخرى يجب الحصول عليها أولا وعندما كنت اذهب لإنهائها اكتشف أنه لا يمكن الحصول عليها إلا عند الحصول على الموافقة الأولى والتي مطلوب لها الحصول على الموافقة الثانية أولاً..!!
وفيما هو أشبه بمحاولة جعلي مجرماً أو معتوهاً كنت أتلقى الصدمات الروتينية الحكومية يومياً حتى لم أعد فقط معارض للحكومة بل أصبحت ساخطاً عليها نادماً على كل كلمة حلوة قلتها في حقها ومؤكداً للجميع أن الله حين قدر قدراً من البلاء للبشر فقد قدر على المصريين أشد البلاء في حكوماتها المتعاقبة .. وروتينها الذي يجعل من العاقل مجنون ومن المجنون معتوه.. إن كان هناك فرقا بين الأمرين..!!
ولذلك ومن يومها أصبحت مدمن لصحف المعارضة جاعلاً من إياها لوحات شرف وشهادات تقدير في منزلي تثبت كفاح المصريين من أجل أن يبقوا فقط أحياء..!!
وأصبحت بعد هذا الكم الرهيب من المعاناة أعتبر نفسي متحدثا ضد الحكومة لا عنها لكل من أقابله وأحكي عن مساوئ المصالح الحكومية والروتين الذي تُنهي به لكل شخص مصلحته ، خاصة وقد اضطرني موظفو الائتمان بالبنك الأهلي المصري والذي كانت فيه نصف إجراءات الصندوق الاجتماعي الثانية إلى أن اشتكيهم في الإدارة الرئيسية بالقاهرة.. ومع طول الصبر كنت قد فقدت حماسي للمشروع وشعرت أنى طموحي هذا حلماً بعيد المنال بل كدت أفقد عقلي واتزاني بسبب الروتين الذي يصادفني يومياً..
ولآن الوقت مر سريعاً وشارف العام الدراسي الجديد على البدء ولم تكن الموافقات المتعددة والتعقيدات التي لا تفهم من أين تأتي قد انتهت بعد وكنت قد اضطررت للاقتراض من أقاربي لإقامة كشك صغير كي يمنحني الصندوق الاجتماعي عليه القرض كما اشترط هذا في البدء.. وقمت بعمله فعلا مع عمل الدعاية اللازمة لأهل الحي تبشرهم بقرب افتتاح مشروع مكتبة للأدوات المدرسية والمكتبية وكأنني سأفتتح مولا تجارياً..!!
إلا أن الوقت مر والعام الدراسي اقترب ولم يكن معي أي أموال أبدأ بها مشروعي وكاد المشروع ينسف تماماً لولا أن أقترح صديقي (أسامة) أن اقترض من أقاربي مجدداً مبالغ مالية ولو قليلة تسمح ولو بالبداية المتواضعة للمشروع كي يشجع هذا الصندوق الاجتماعي على إنهاء الإجراءات سريعا ولأنني كنت أرفض أن ابدأ مشروعي بشكل صغير فقد رفضت الفكرة في البداية.. لكن جاء إلحاح أمي ودعائها لي ليمنحني أملا جديداً في أن يكون عمل المكتبة ولو في أضيق الحدود مبرراً لآن يسارع الصندوق الاجتماعي في إنهاء إجراءاته مع البنك بالفعل ومنحى القرض في أسرع وقت.. لذلك قمت بتنفيذ المشروع مع بداية العام الدراسي الجديد الذي حل علينا وفي أضيق الحدود وبشكل بائس جداً وهذا قبل أن يمنحني الصندوق القرض لعمل المكتبة..!!
وقد نفذت الشكل المبدئي للكشك في أضيق الحدود الممكنة فعلياً.. وهذا بفضل الله وبفضل معاونة خالي لي ووقوف صديقي (أسامة) إلى جواري..
وبدأت المشروع صغيراً جداً بأصغر مما يمكن تخيل إقامة مشروع في الحجم الذي أقمته فيه.. وهذا لألحق بالعام الدراسي الجديد وحتى لا يضيع علي الموسم التجاري في بداية العام الدراسي وحتى لا تصير الدعاية التي قمت بها بلا معنى.. وإن كانت تلك الدعاية قد تحولت إلي نكتة وربما نكتة سخيفة لأنها كانت تشير إلي شيء ثم ظهر هذا الشيء بخلاف الدعاية له وتماماً .. وربما تحولت تلك الدعاية في أعين الناس إلي دعاية وهمية تدعي شيئاً والذي كان يرونه أمامهم شيء آخر تماما..!!
وبالطبع تم هذا بالمخالفة لبعض القوانين العجيبة التي كان لابد لي أن أخالفها كي أقيم مشروعي في موعد مناسب لبدء العام الدراسي.. لكن قدر الله لي ألا يحالفني النجاح الذي كنت أتمناه وهذا بالطبع لضعف رأس مالي حينها وإن استمر المشروع صغيراً وضعيفاً بل وهزيلاً لفترة أفقدتني الأمل في قدرتي على الاستمرار بنفس الشكل.. حتى فوجئت ذات يوم بخطاب من الإدارة الرئيسية للبنك الأهلي المصري يخبروني فيها بإطلاعهم على شكوتى ومخاطبتهم لفرع العريش بأحقيتي في صرف القرض وحينها شعرت أن الدنيا تبسمت بعد طول عبوس.. حتى أنني وصديقي (أسامة) قد قمنا بعمل احتفال خاص بهذه المناسبة وشاء القدر أن يكون لشكوتى بعد طول غياب أثر السحر في حل أزمتي حيث تم صرف القرض بعد أيام قلائل من وصول رسالة الفرع الرئيسي وبعد إنهاء قليل من الإجراءات الأخيرة التي طلبها البنك والصندوق الاجتماعي للتنمية وضعوا تحت كلمة التنمية دي عشرة خطوط أو أكثر..!!
والمؤسف فقط في هذا الأمر هو أني صرفت القرض الذي كنت أسعى له من البداية لعمل مشروعي بعد نهاية الترم الأول من العام الدراسي وقبيل بدء الترم الثاني بنحو عشرة أيام فقط لذلك فقد قمت بعمل تطوير وتكبير سريع للكشك بما يتناسب ولفظ مكتبة بعدما كان أشبه بمينى مكتبة ولا ترى في الغالب بالعين المجردة..!!
ثم وسريعاً سافرت للقاهرة لشراء بضاعة جديدة وكثيرة للمكتبة وخلال أجازة نصف العام كان شكل المكتبة قد تغير 180 درجة حتى أن كل أهل الحي تعجبوا من هذا التغيير المفاجئ بعدما فتر حماسهم لي بسبب الدعاية الزائفة لنفسي ولقلة بضاعتي وصغر حجم مشروعي والذي وحسب تعبير الصندوق الاجتماعي للتنمية لم يكن فقط مشروع متناهي الصغر بل كان أصغر من أن يكون مشروع أصلا..!!
كما أن قلة رأس المال ساهمت في عدم توافر كل ما يحتاجه زبائني.. لذلك كان تطور المكتبة في أجازة نصف العام حافزاً كبيراً على عودة الزبائن لي وبكثرة فالجميع عادوا من جديد يشاهدون التغير الذي حدث للمكتبة ويسألون عن ما يريدون فيجدون كل شيء موجود إلا القليل مما لم تكن خبرتي تسمح بتذكره..
وكان السؤال المتكرر والدائم من زبائني الذين بدأوا يتوافدون بكثرة من جديد عليّ هو: ما سر هذا التأخر في تمويل المشروع فأقول لهم.. حرص الحكومة والصندوق الاجتماعي على مساعدة الشباب.. فيضحكون ولا يعلقون إلا بعبارات متشابهة تتفق كلها على معنى واحد ساخر هو..
ما أعظمك يا لوائح مصر العظيمة..!!
*****

‏ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اللي نوروني