لو مت يا أمي ما تبكيش .. راح أموت علشان بلدي تعيش

الجمعة، 26 فبراير 2010

مولد أعظم يتيم في حياة البشرية..!!



منذ نحو عامان وفي نفس هذا التوقيت تقريبا من ناحية التقويم الهجري لفت انتباهي وأنا أتابع التليفزيون خلال الأيام التي سبقت الاحتفال بمولد الرسول الكريم محمد (صلى الله عليه وسلم) الحديث عن الاحتفال في يوم الأول من ابريل بيوم اليتيم وأثار انتباهي حينها أن ذلك اليوم يسبقه يوم 31 مارس موعد احتفالنا بمولد رسول الله..
وتوقفت حينها عند نقطة هامة وهي كون رسول الله كان يتيماً.. واحتفالنا بمولده يعنى أننا نحتفل بأعظم يتيم عرفته الأرض..
ولا أعرف كيف لم ينتبه القائمون على الاحتفال بيوم اليتيم بهذا.. وحتى الآن..
لما لا يكون الاحتفال بيوم اليتيم هو في يوم مولد أعظم يتيم عرفته البشرية..؟؟
لذلك كتبت هذا المقال وحاولت أن أصل به لمن يهمه هذا الأمر لكن لم افلح بالقدر الكافي لذلك قررت أن أذكر الناس بهذه المناسبة من خلال كلمات بسيطة تصف كيف جاء رسول الله إلي الدنيا يتيماً.. ولما كانت حكمة الله أن يكون يتيماً..؟؟

والآن دعوني أدعوكم وادعوا نفسي أن نسترجع معا ذكرى مولد رسول الله لنعرف لما هو أعظم يتيم عرفته البشرية..؟؟

*****
فقديماً وقبل مولد عبد الله ابن عبد المطلب والد رسول الله..
وبينما كانت الدنيا ليل والليل في الهزيع الأخير منه.. تصور عبد المطلب (جد النبي) أن الشمس قد أشرقت فجأة.. وأستيقظ ليجد نفسه في جوف الليل..،
وقد أطبق على الصحراء الممتدة سكون عظيم..
أزاح بيده باب الخيمة فشاهد النجوم تلمع في السماء والدنيا لازالت ليل..
وعاد يغلق باب الخيمة وينام..
لم يكد يستسلم للنعاس العميق حتى عاد الحلم للظهور مرة أخرى..
كان كل شيء واضحا هذه المرة.. كائنا عظيما أتاه يأمره بأمر حاسم..
- أحفر زمزم... !!
سأل عبد المطلب في الحلم : وما زمزم..؟؟
وعاد الأمر يصدر إليه في الحلم
- احفر زمزم...!!
لم يكد أخر صدى من أصداء الصوت الآمر يختفي ، حتى كان عبد المطلب قد انتصب جالسا في فراشه وقلبه يدق في عنف.. نهض عبد المطلب , وفتح باب الخيمة , واندفع إلى الصحراء العريضة..
وسأل نفسه ما معنى زمزم ؟ فكر قليلا ثم....
أضاء زهنه فجأة بنور قادم من بعيد..زمزم ..
زمزم بئر.. لابد أن تكون بئراً.. لكن لماذا يريد منه الهاتف أن يحفر بئرا..؟
فليس هناك جواب لهذا السؤال سوى أنها ليشرب منها الحجاج الذين يأتون إلى الكعبة..؟؟
لكن أي قيمة لهذه البئر تحديدا..
فهناك آبار كثيرة يشرب منها الحجاج..
جلس عبد المطلب على رمال الصحراء في قلب الليل , وراح يتأمل النجوم ويفكر كانت هناك قصص قديمة تروى عن تلك البئر التي انفجرت تحت أقدام نبي الله إسماعيل عليه السلام.. وكانت هناك قصة تقول أن هذه البئر قد طمرت وانسدت بفعل الزمن.. وأن الآبار التي حفرت لم تكن في مكان هذه البئر المباركة..
وعندما أشرقت شمس الصباح على الجزيرة العربية.. خرج عبد المطلب على الناس وحدثهم انه يريد أن يحفر بئرا في ذلك المكان المحدد..
وأشار بيده إلى المكان الذي حددته الرؤيا.. ورفضت قريش..
وهذا لآن المكان الذي أشار إليه يقع بين صنمين من الأصنام التي يعبدها الناس..
صنم اسمه "أساف" وصنم اسمه "نائلة"..
وعبثا حاول عبد المطلب أن يقنع قومه بان يسمحوا له بحفر بئر زمزم.. لكنه فشل
فهم يعلمون انه ليس له سوى ولد واحد.. وإذن هو رجل ليست له عصبية.. وليس عنده أولاد يدافعون بالقوة عن رأي أبيهم ويحمون تصرفاته..
وفي تلك الأيام كان كل شيء في بلاد العرب ووسط القبائل يتم عن طريق العصبيات وحماية الأهل..
لذلك انصرف عبد المطلب وهو حزين.. ووقف أمام الكعبة ونذر نذرا لله..
وقال : إذا ولد لي عشرة أبناء وكبروا وبلغوا مبلغ الرجال ، حتى استطاعوا حمايتي في حفر بئر زمزم , فسوف اذبح احدهم عند الكعبة تضحية وقربانا..
وكان قلب السماء مفتوحا لكلماته..
وشاءت قدرة الله أن تستجيب لنذره وأمنيته لتحمل زوجة عبد المطلب في العام التالي.. وعاماً بعد عام أنجبت له كل عام ولد لتحقق له أمنيته في عدة أعوام..
حتى أصبح لديه عشرة أبناء..
ولما بلغوا مبلغ الرجال أستطاع عبد المطلب أن يحفر بئر زمزم كما طلب منه الهاتف بمعاونه أولاده.. وكان عليه حينئذ أن يوفى بنذره ويذبح أحد أبناؤه..!!

كان الخيار صعبا وثقيلاً.. فذبح ابن ليس بالأمر الهين..
فربما كان نطق النذر سهلاً.. أما تنفيذ النذر فهو الأصعب..
لكنه نذر ويجب إيفائه..
لذلك أضطر عبد المطلب أن يجرى قرعة بين أبناءه..
فجاءت نتيجة القرعة بأن يذبح اصغر أبناؤه وهو عبد الله..
ولما كان عبد الله قد اشتهر في قريش كلها بأنه أنقى إنسان عرفته الجزيرة العربية وأكثرهم خلقا وأدباً وصاحب أصفى روح وأنبل قلب ولم يكن يوم قد أغضب أحد أو رفع صوته على أحد.. بل كانت ابتسامته هي أرق ابتسامة عرفتها جزيرة العرب فقد قال شيوخ قريش لعبد المطلب.. نذبح أبناءنا بدلا منه ونفديه..
ولما تحير عبد المطلب في أمر ولده وارتاح لضغطهم عليه من أجل ابنه..
فمن في الدنيا يقبل أن يذبح ابنه..؟؟
إلا أن هاجس حتمية تنفيذ النذر ظل يطارده لذلك فكر وقرر أن يلجئ إلى العرافة الخاصة بهم في قريش.. وحينها سألته كم تبلغ قيمة الدية لديكم..؟؟
قال عشرة من الإبل.. فقالت احضروا عشرة من الإبل واجروا القرعة عليها وعلى عبد الله فإذا جاءت القرعة عليه فزيدوا الإبل عشرة وأعيدوا القرعة , وزيدوها عشرا فعشرا حتى يرضى ربكم..
وبالفعل أجريت القرعة لتأتي على عبد الله فزادها عبد المطلب عشرا لتأتى عليه أيضا ثم زادوها عشرا فعشر حتى وصلت مائه من الإبل.. فأتت القرعة على الإبل.. ونجا عبد الله من الذبح.. وفرح الناس لنجاة عبد الله..
لذلك أقسم عبد المطلب حينها ليزوجه أفضل بنات العرب.. فخرج قاصداً دار "وهب" وخطب له آمنة بنت وهب..
وتزوجت آمنة من عبد الله بن عبد المطلب أكرم الفتيان وأحبهم في قريش ومكث عبد الله مع آمنه شهرين اثنين في بيت العرس ثم.. أذن مؤذن الرحيل فخرج عبد الله إلى رحلته مسافرا مع قافلة قريش التجارية إلى الشام..
ولم تكن تدرى آمنة بنت وهب وعبد الله يودعها بوجهه النبيل أنها المرة الأخيرة التي تراه فيها..
فهناك داهم عبد الله المرض وتوفاه الله ليدفن عند أخواله من بنى النجار في المدينة حيث وافته المنية عندهم..
مات عبد الله وعمره خمسة وعشرون عاماً..!!
وانتشر الخبر في قريش مؤلماً مفجعاً حتى وصل إلى عروسه وزوجته آمنه بنت وهب التي انكفأت تبكى عليه وتنتحب وتسأل نفسها سؤال لم تعرف لحظتها الإجابة عليه..؟؟
وهو لماذا فداه الله بمائه من الإبل إذا كان قد قدر عليه الموت بعد هذا الفداء بوقت قليل..؟؟ و....
وتحرك في رحمها الجنين حركة خفيفة..
وحينها أدركت آمنة أنها حامل..؛ فبكت على نفسها وعلى جنينها الذي مات أبوه قبل أن يولد.. ولم تكن آمنة تعرف أن هذا اليتيم الذي يتحرك في أحشائها يجب أن يكون يتيماً..
يجب ألا يبقى أبوه على قيد الحياة..
لأن هذا اليتيم سيكون مسئولاً عن حمل آلام اليتامى والفقراء والحزانى في كل بقاع الأرض..
سيكون أخر أنبياء الله ورسله إلى الناس..
سيكون رحمة مهداه إلى البشر..
ولا يعرف الرحمة إلا من ذاق الحزن وعرف الآلام..



وها هو محمد الجنين في بطن أمه يتغذى قبل أن يولد من دماء الحزن العريق والنبيل..
وفي الوقت ذاته كان أبرهة الحبشي حاكم اليمن في ذلك التوقيت يعد جيشه ويزحف نحو مكة ليهدم الكعبة..
والسبب أنه كان قد بنى في اليمن كنيسة جمع لها كل أسباب الوجاهة ليصرف الناس عن الكعبة.. إلا أن الناس انصرفت عنها وظلت تقصد بيت الله الحرام.. الكعبة المشرفة بمكة.. فلما رأى كنيسته لا تجذب إليها أحداً من العرب عزم على هدم الكعبة ليضع الناس أمام الأمر الواقع..
ولما اعترض مسار جيش أبرهة بعض من أشراف اليمن لم تقوى على مجابهة جيش أبرهة فانهزمت أمامه.. وكذلك فعل مع بعض من قبائل العرب.. ولقوا نفس المصير..
لذلك غر أبرهة انتصاره المزيغ لذلك وبينما كان بين الطائف ومكة بعث قائدا من قواده إلى مكة وهناك اغتصب أموالاًً من قريش وغيرهم وكان مما اغتصبه مائتا بعير لعبد المطلب وكان عبد المطلب حينها كبير قريش وسيدها وصاحب بئر زمزم..
ولما أثار وجود رسول أبرهة حمية القبائل وتحركت قريش وكنانة وهذيل لقتاله ثم عرفوا أنهم لا طاقة لهم به تركوا ذلك..
وانطلقت في الجزيرة العربية أخبار الجيش الذي لا يقهر ويقصد مكة.. وبعث أبرهة رسول من عنده ليحمل رسالة إلى أهل مكة يقول فيها لهم أنه لم يأتي لحربهم وإنما جاء لهدم هذا البيت فان لم يعترضوا فلا حاجة له في دمائهم.. فإذا كان سيد هذا البلد لا يريد الحرب فليجيئوا به إلى الملك..
ولما جاء عبد المطلب إلى أبرهة وجده أوسم الناس وأجملهم وأعظمهم وكانت له هيبة واحترام عظيمان.. فلما رآه أبرهة أحس بالاحترام نحوه وأكرمه عن أن يجلس تحته وكره أن تراه الحبشة يجلس معه على سرير الملك فجلس أبرهة على بساط وأجلسه معه ثم قال لترجمانه قل له : ما حاجتك..؟
قال عبد المطلب حاجتي أن ترد عليّ مائتا بعير اغتصبهم رسولك.. فغضب أبرهة حينها وقال لترجمانه قل له : قد أعجبتني حين رأيتك ثم زهدت فيك حين كلمتك.. أتكلمني في مائتي بعير أصبتها لك وتترك بيتا هو دينك ودين آبائك وقد جئت لهدمه.. ولا تكلمني فيه..؟؟!!
فقال عبد المطلب جملته الشهيرة "أنا رب الإبل أما البيت فللبيت رب يحميه"..
قال : أبرهة لن يحميه مني..!!
وانتهى الحوار بين أبرهة وعبد المطلب وأعطاه الملك بعيره المغتصب فعاد عبد المطلب إلى قريش وأخبرهم الخبر وأمرهم بالخروج من مكة واللجوء إلى الجبال والكهوف..
وتحرك جيش أبرهة نحو الكعبة لكنه فجأة توقف..
كان جيش أبرهة يعتمد على فيلة عظيمة تعمل عمل آلات الحرب الحديثة الآن في القوة لكنها توقفت عن السير فجأة وأبت أن تكمل السير بأمر من بارئها..
كان التوقف مباغتا وغير مفهوم أو معلوم السبب.. لذلك خرج أبرهة من خيمته وكانت الشمس مشرقة ليتطلع أمر الفيلة فوجد الشمس تغيب خلف ما ظن أنه سحابة سوداء سرعان ما تبين أنها حشود هائلة من الطيور..
طيورا كثيرة متعاقبة لا تبدوا لها نهاية..
وبينما زاد صراخ الفيلة من ضربها بالسياط مع استمرار رفضها للتحرك.. اقتربت الطيور أكثر وأكثر وفجأة انقضت على الجيش ملقية عليها حجارة صغيرة لكنها لها فعل الفتك بالإنسان وهى ما وصفه القرآن في سورة الفيل بقوله تعالى :
(( أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ * أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ * وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ ))
وانكسر الجيش الذي استسلمت له الجزيرة العربية بمجرد دخوله..
بل أبيد تماماً.. وحمى رب البيت بيته وكعبته المشرفة..
لم تكن هذه الحماية استجابة لدعاء الوثنيين اللذين يحوطون الكعبة بالأصنام..
وإنما حمى الله بيته لحكمة عليا..
لقد كان الله يريد لهذا البيت أمرا عظيماً وشريفاً يريد الله أن يحفظه ليكون مثابة للناس وأمنا.. ليكون نقطة تجمع للعقيدة الجديدة لتزحف منه حرة طليقة..
نحو أرض حرة آمنة.. لا يهيمن عليها أحد من الخارج ولا تسيطر عليها حكومة أجنبية قاهرة فتحاصر الدعوة.. وهذا لان هناك في بيت من بيوت مكة.. جنين لم يولد بعد.. أمه تحمل أسم آمنة بنت وهب.. وأبوه عبد الله بن عبد المطلب من سادات العرب.. الطفل الذي لم يولد بعد..
طفل سيكبر ليحمل في عنقه أمانة كبيرة..
سيحمل على كاهله أمانة الإسلام..
سيكون هذا الطفل.. الرحمة المهداة إلى العالم أجمع..
ثم يجيء أبرهة يريد أن يهدم هذا كله.. دون أن يعرف مقام هذا البيت..؟؟
لقد كانت مأساة أبرهة انه حاول اعتراض مسار المشيئة الإلهية.. فسحقته المشيئة الإلهية..
ووسط أفراح مكة بنجاتها ونجاة الكعبة.. رأت آمنة بنت وهب حلما ذات ليلة..
رأت نفسها تقف وحدها في الصحراء وقد خرج منها نورا عظيم أضاء المشرق والمغرب , وامتد حتى السماء..
واستيقظت آمنه من نومها ولم تعرف تفسير رؤياها.. ولا عاشت حتى تعرف..
ومرت أيام وأيام من عام الفيل.. (حينها كانت تسمى الأعوام بأكبر حدث يحدث بها) وفي وقت السحر من ليلة الاثنين.. الثاني عشر من ربيع الأول.. ولدت آمنة بنت وهب طفلها اليتيم..
محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ,
حفيد إسماعيل بن إبراهيم بن آدم عليهم السلام أجمعين..
في ذلك الوقت كان قد مر نحو ما يزيد على ستمائة عام على مولد السيد المسيح..
وأبتعد المسيحيون عن تعاليم الحب الذي أرساها لهم السيد المسيح.. وتسللت العقائد الوثنية إلى بعض فرقهم.. وشاب صفاء التوحيد دنس عظيم..
أما اليهود فقد هجروا وصايا موسي وعادوا لعبادة العجل الذهب..؛ وفضل كل واحد منهم أن يكون له عجله الذهبي الخاص..
وأغارت الوثنية على الأرض , كفرت بالعقل , ونسيت الله ، واستسلمت لأيدي الدجالين.. وحين أصبح واضحا أن قلب الدنيا قد أصابه الجفاف..
نبع من المشرق فجأة ينبوع صافي من الإيمان ارتوى منه نصف العالم..
وكانت المعجزة أن يخرج هذا النور من قلب أعظم الصحراوات جفافاً في العالم.. صحراء الجزيرة العربية..
وفي خيمة خشنة في مكة ولد الطفل اليتيم الذي سيصبح مسئولاً فيما بعد عن إرواء عطش العالم إلى الحب والعدالة والحرية والحق..
وعلى مقربة من موقع ولادته.. كانت تنتشر الأصنام حول ساحة البيت العتيق.. وحول الكعبة التي بناها إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام لتكون بيتا لله يعبد فيه وحده.. ويأمن الناس فيه وحده..



في هذا المكان كانت تنتشر التماثيل الحجرية والخشبية في المكان كله.. لتكون دليلا على سقوط العقل العربي وانحداره..
وفي المدينة بعيدا عن مكة كان اليهود قد حطوا عليها كالذئاب هربا من الرومان مستغلين ضعف الوجود العربي وانقسامه على أنفسهم وشيدوا مستعمراتهم على أخصب أرض بالمدينة..
وبينما اليهود يعبدون الذهب ويجيدون التجارة كان العرب يعبدون الحجارة ويجيدون القتال ويتفننون في قرض الشعر وتعليقه على أستار الكعبة..
وبعيدا عن مكان مولد الرسول..
كانت روما تشبه نسرا عجوزا لم يفقد قوته وكان الرومانيون يعبدون القوة..
والى الشرق من بلاد العرب كان الفرس يعبدون النار والماء..
فالنار تشتعل في معابدهم فيركع لها الناس.. وأيضا كانت لديهم بحيرة ساوة التي كانت مقدسة لديهم.. أما كسري ملكهم فيجلس في إيوانه للحكم بين الناس فتمضى كلمته كالقضاء النافذ.. وكان الفرس قد أصبحوا أقوى قوة على الأرض بعد أن هزموا الروم واليونان.. ومع ذلك كانوا يعبدون النار ليكشفوا عن غباء القوة..
وبينما كان الظلام يزداد في كل بقعة من الأرض وتحولت الحياة إلى غابة كئيبة يضرب فيها القوى الضعيف وينتصر فيها الشر على الخير..
ويعبد العقل الآدمي حجارة أو نارا ويقدس ذهبا أو مياه..
ولد في خيام مكة ذلك الطفل العربي الذي جاء ليحرر العقل البشرى من عبادة العباد والخرافات.. إلى عبادة الله وحده.؟.
وفي نفس لحظة ميلاده..
انطفأت النار المعبودة في معابد الفرس..
وجفت بحيرة ساوة..
وسقطت أربعة عشرة شرفة من قصر كسري..
وأحس الشيطان أن ألما شديدا يمزق قلبه..!!
وبرز محمد إلى الوجود يتيماً.. غادر أبوه الدنيا.. وهو لا يزال جنين في بطن أمه..فأواه الله عز وجل..
يقول الصوفية أن إيواء جده له وعمه من بعده ليست إلا ظاهر يمكن تجاوزه.. أما الباطن فهو أننا أمام بشر آواه ربه منذ طفولته..
فقد رباه الحق عز وجل منذ طفولته.. وأمتحنه باليتم وهو جنين.. وبالجوع وهو صبي.. وبفقدان الأم وهو طفل..
كل هذا لأن الحق كان يعده من طفولته لحمل آخر الرسالات وأثقل الأعباء وأفدح المغارم..
لم تقبل المراضع على محمد اليتيم كعادة العرب في ترك أولادهم لمرضعات البادية لأن سيد الناس كان فقيراً..
لكن شاء القدر أن يجمعه بحليمة بنت أبى ذؤيب.. تقول حليمة عن محمد..
"كانت سنة جدباء , لم تبق لنا شيئا ، فصيرتني مع زوجي في فقر مدقع , فعزمنا على الخروج من مكة في رفقة نسوة من بني سعد نلتمس جميعا الرضعاء.. ليساعدنا آباؤهم على ضروريات الحياة.. كانت الدابة التي أركبها بالهزال والضعف الذي سببه عدم وجود القوت لدينا , بحيث خشينا أن تقع في الطريق فاقدة الحياة , ولم ننم ليلنا من صبينا الذي كان معنا , فقد راح يبكى من ألم الجوع.., ولم يكن في ثديي ولا ثدي الناقة التي يقودها زوجي قطرة من لبن نهدئ به جوعه.. وأدركني اليأس أثناء الليل.., وتساءلت هل وأنا في هذه الحالة , يمكنني الزعم بأن في مقدوري القيام بتنشئة طفل..؟؟
ووصلنا أخيرا إلي مكة.. وقد سبقنا إليها النسوة.. فأخذن الأطفال ما عدا واحدا فقط هو محمد.. كان والده قد مات.. وكانت أسرته فقيرة.. رغم مكانتها العليا وسط سادة قريش وشرفها فيهم..
لذلك أبت النسوة احتضانه.. وامتنعت أنا وزوجي من احتضانه لنفس السبب.. أعنى اليتم وعدم الثراء.. غير أنى في النهاية خجلت أن ارجع بين صواحبي ولم أأخذ رضيعاً.. فأكون فضلاً على الفشل موضع سخريتهم.. ثم أنى شعرت بعطف متوقد نحو هذا الطفل البارع الجمال..الذي سيؤذيه هواء البلدة الفاسد"



شعرت حليمة بأنها تود أن تعود لتأخذ هذا الطفل اليتيم ثم ناقشت زوجها في إحساسها هذا.. فقبل زوجها.. ولم تدرى هي ما سر رغبتها الغامضة في أن تعود لتأخذه.. إلا أنها مشيئة الله.. التي قررت لها أن تحتضن خير خلق الله..
عندما أخذت حليمة محمد وعادت به إلى رحلها أعطته ثديها الأيمن وهي تعلم انه جاف إلا أنها أعطته إياه علها تلهيه به إلا انه ولدهشتها ادر لبن.. فأطعمه.. بل وأشبعه..
ورغم تدفق اللبن المفاجىء فقد انتهى محمد من الرضاعة فأرادت حليمة أن تمنحه ثديها الثاني إلا انه أبي وكأنه يربى نفسه على الزهد والقناعة قبل أن يربي الرجال على التضحية والفداء والرجولة فيما بعد..
أو كأنه يدري أن له أخ من الرضاعة يجب أن يأخذ حقه من الرضاعة..
أو هي حكمة عليا في الاكتفاء بالقليل..
وعندما عادت حليمة بمحمد إلى بادية بنى سعد وجدت الأرض الجدباء وقد انفتح فيها الخير كله.. امتلأت الأرض بالخضرة بعد الجفاف.. وأثمرت أشجار التمر بعد أن كانت يابسة.. ودرت أثداء الحيوانات لبنا وفيراً.. وبارك الله فيها فامتلأت وسمنت.. حتى أصبحت تعطى أضعاف ما كانت تعطيه من اللبن..
وأدركت حليمة أن لهذا الطفل بركة قد حلت عليها بمجيئه معها.. فزاد حبها له وتعلقها به..
تقول حليمة عن محمد اليتيم بعد أن مكث معها لفترة من الزمن...
"كان محمد طفلا لا يبكى ولا يصرخ إلا إذا تعرى.. وكان إذا قلق أثناء الليل ولم ينم خرجت به من الخيمة , ووقفت معه تحت النجوم , فيستولى عليه السرور من مشهد النجوم.. حتى إذا شبعت عيناه اخذ النوم بمعاقد أجفانه.."
وعندما فطم كانت حليمة قد تعلقت به جدا فأستسمحت أمه أن يبقى معها في البادية.. وبالفعل بقي معها حتى بلغ عامه الخامس.. ثم عاد إلى مكة..
كان حزن أمه على فقد أبيه قد ترك أثرا عميقا في قلبها فبقي معها قليل من الوقت ثم أثرت أن تأخذه إلى المدينة ليزور أخواله وقبر أبيه حيث دفن هناك..
رأى محمد الصبي اليتيم البيت الذي مات فيه أبوه قبل أن يولد هو.. وزار مع أمه القبر المتواضع الذي دفن فيه أبيه.. وانطبع في قلبه أول معاني اليتم وهو يرى دموع أمه الصامتة.. واحتلت المدينة جزءا فسيحا في قلبه..
وهو لا يعلم أنها المكان الذي سيحتضنه عندما تقسوا عليه قريش جميعا فيما بعد..
انقضى شهر في زيارتهم لأخواله فصحبته أمه عائدة إلى مكة وعندما وصلا إلى منتصف الطريق.. شاءت مشيئة الله أن يكتفي محمد بهذا القدر من أمه ليهبط ملك الموت عليها فيقبض روحها لتلحق بزوجها..
ماتت الأم لتترك وليدها ابن الست أعوام وحده مع خادمه الذي تفتت قلبه حزنا على ذلك اليتيم الذي فقد أبوه وهو جنين وفقد أمه وهو ابن ستة أعوام..
وعاد محمد إلى مكة دامع العين , باكي القلب , قد أدرك نضجه بعد أن صهرته أحزان الحياة وقسوة اليتم..
شاءت حكمة الله أن يسقى محمد من انهار الحزن العميق ليكون قادرا فيما بعد على منح الناس ثمار الخلاص والفرحة..
وقد كفله جده حتى وصل عامه الثامن فشاءت مشيئة الله أن تسلبه واحدا من اعز الناس إليه من جديد..
مات جده عبد المطلب وسار محمد الصبي ابن الثامنة من العمر خلف نعش الجد صامتا كالكبار وصلبا كالرجال..
تذوب رمال الطريق تحت قدميه لدموعه الصابرة المحتسبة الشجاعة..
ولا يعرف أحدا لماذا حدث هذا..؟؟ وما هي حكمة الله تبارك وتعالى في حرمان أخر أنبيائه من عطف الأب ثم من حنان الأم وأخيرا من رعاية الجد..؟؟
أكان الله عز وجل يريد أن يمنح أخر أنبيائه حنانا وحبا من لدنه وحده..؟؟
أكان الله يربيه بالحزن ويرهف مشاعره بالألم..؟؟
كل هذا وارد لان الله عز وجل قال في كتابه الحكيم في سورة الضحى..
(( أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى * فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ * وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ * وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ))
هكذا ربه الله عز وجل رسوله اليتيم.. وهكذا علمه..
وهكذا تربى رسول الله من حداثة سنه على الحزن.. والفقر والجوع ومرار ألم فراق أعز الناس وأهم الناس..
كانت حكمة الله تريد به هذا لأنه لا يمكن أن يكون رحمة مهداه للعالم إلا لو حرم من أسباب السعادة..
كان لابد أن يتذوق تلك الآلام ليعرف كيف يكون رسولاً من بعد للإنسانية كلها ويكون همه الأول الفقراء والمساكين و.....
والأيتام..
وقد كفله بعد جده عمه أبو طالب..
والذي قدمه على أبناءه واعزه وأكرمه..
حتى وصل سن الشباب..

وهذه كانت قصة مولد أعظم يتيم في تاريخ البشرية..
ولو أردنا أن نزيد لزدنا..
فما قلناه في حق خير خلق الله قليل..
بل أقل القليل..

ماجد إبراهيم

المراجع
القرآن الكريم
كتاب أنبياء الله للكاتب الكبير أحمد بهجت